ابن النفيس
556
الشامل في الصناعة الطبية
الفصل الثاني في طبيعة الحنّاء وأفعاله على الإطلاق إنّ الأطبّاء قد وقع بينهم اختلاف في طبيعة الحنّاء . وذلك ، لأنّ بعضهم يقول إنه : حارّ ، يابس . وبعضهم يقول إنه : بارد ، يابس . وقد اختلفوا في حرّه وبرده ، واتفقوا على يبوسته ، كما هو الخلاف الواقع في الأرز . وللأوّلين أن يحتجّوا بأنّ في أفعال الحنّاء تحليل للأورام وتفتيح للسّدد وتحليل للإعياء والنفع من التمدّد والتشنّج ، ونحوهما من الأمراض الباردة العصبيّة وما يكون كذلك ، فظاهر أنه حارّ . وللآخرين أن يحتجّوا بأنّ الحنّاء من أفعاله القبض ، وأنه يحسّ منه في ظاهر البدن برد ، وذلك إذا وضع عليه من خارج ، وأنّ رائحته فاغية ، نديّة ، شاهدة ببرده . وأمّا الحقّ في هذا ، فهو أنّ الحنّاء إذا اعتبر مزاجه الذي هو له في نفسه كان قريبا جدّا من المعتدل . وإذا اعتبر مزاجه بما هو دواء ، وبما هو فاعل في بدن الإنسان ، كان - مع يبوسته - باعتبار فعله من خارج البدن : باردا ، وباعتبار فعله من داخله : حارّا . عكس ما بيّنّاه في الكزبرة وذلك حيث تكلّمنا في أصول هذا العلم « 1 » . إذ بيّنّا هناك أنّ الكزبرة إذا وردت من خارج ، سخّنت وحلّلت . وإذا وردت من داخل ، برّدت وكثّفت . وهاهنا « 2 » الأمر في الحنّاء بالعكس ، لأنه إذا ورد من خارج ؛ برّد ، وإذا ورد من داخل : سخّن . وبيان ذلك أنّا بيّنّا أنّ مزاج الحنّاء في نفسه قريب من الاعتدال لأنّا بيّنّا أنّ جوهره مركّب من أرضيّة ومائيّة وهوائيّة . وبيّنّا أنّ هوائيّته قليلة جدّا وأنّ أرضيّته كثيرة بالنسبة إلى مائيّته ، وأن أرضيّته بعضها معتدل وهو التّفه ، وبعضها بارد وهو القابض ، وبعضها حارّ محترق وهو المرّ . ولا شكّ أنّ هذه الأجزاء كالمتكافئة في البرد ، والحر ، والرطوبة ، واليبوسة . وذلك ، لأنّ حرارة الأرضيّة الحارّة والهوائيّة ، كالمكافئة لبرودة الأرضيّة الباردة والمائيّة . فلذلك ، يكون مزاج الحنّاء في الحرارة والبرودة كالمعتدل ، مع ميل إلى البرودة قليلا . وذلك ، لأنّ المائيّة - لزيادتها على الهوائيّة ، وقوّة بردها - لا بد وأن يكون بردها أزيد كثيرا من
--> ( 1 ) يقصد : أصول الأدوية ( وهو من الأجزاء المفقودة من الشامل ) . ( 2 ) : . هاهنا .